|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
سيدنا يونس عليه السلام
أرسل الله تعالى سيدنا يونس عليه السلام إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده، وقد طال الجدل بينه وبينهم وعارضوه أشدّ المعارضة حتى ضاق بهم ذرعاً وظنَّ أنه لا يستطيع إلى هدايتهم سبيلاً ففارقهم متأثراً وذهب مغاضباً وإلى ذلك تُشير الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إذ ذهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ}.
وإنَّ كلمة {مغاضباً} تُشير لك إلى عطف الرسول الكريم على قومه وشدّة رحمته بهم فلولا أنه كان حريصاً على هدايتهم ورحيماً بهم لما غضب من صدودهم عن الحق ولما تأثَّر من عدم اهتدائهم أما كلمة {لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ} الواردة في قوله تعالى: {فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيهِ} فمأخوذة من القدر وهو أن يكون الشيء مساوياً لغيره بلا زيادة ولا نقصان تقول هذا قدر هذا أي مماثلاً ومساوياً له، وتقول قدَّر فلان لوح الزجاج على النافذة أي قاسه ثم قطعه بطول وعرض مناسب مع مكانه فيها تمام المناسبة، وتقول قدَّر الله على الرسول هداية قومه، أي: جعله هادياً لهم لما علمه في هذا الرسول من الأهلية لهداية قومه وما علمه فيهم من الاستعداد لتلقي الهدي والبيان ويكون مانفهمه من كلمة {فَظَنَّ أَن لَن نقْدِرَ عَلَيهِ} أي: ظنَّ أن لن نرزقه هدايتهم وأنه ليس فيهم ذلك الاستعداد لتلقي الهداية بعد أن لقي ما لقي منهم من المعارضات والصدود. وما دام قد أدى واجبه في التبليغ وبذل جهده في النصح وما داموا لم يوافقوه ولم يتوصَّل إلى الثمرة المطلوبة عزم هذا الرسول على مفارقة قومه وهجْرهم، وقد انتهى المسير بسيدنا يونس e إلى شاطىء البحر، فوجد فلكاً أي سفينة مشحونة بالركاب فركب مع الراكبين وهو لا يدري ما أخبأه الله تعالى له في سفره هذا وسارت السفينة في البحر وقد ساهم سيدنا يونس e أي اشترك مع الركاب في تسيير السفينة وقام بدوره في التجديف وفيما هو يقوم بذلك زلق في البحر وغاص في الماء فالتقمه الحوت وإلى ذلك تُشير الآيات الكريمة في قوله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ، إِذْ أَبَقَ إلَى الفُلْكِ المَشْحُونِ، فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ، فَالتَقَمهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}.
وإنَّ كلمة (أَبَقَ) التي هي بمعنى هجر تبيِّن لك شدة ما عاناه هذا الرسول من قومه من الضيق بسبب ما قاموا به من الصدود والإنكار.
ولعلَّك تقول: لماذا أوقع الله رسوله في البحر ورماه في بطن الحوت وأحاط به ما أحاط من الغمِّ مادام قد أدى واجبه وبلَّغ قومه رسالة ربِّه؟.
فأقول: لا شك أن الله تعالى قادر على أن يُرسل إلى أولئك القوم رسولاً آخر ويهديهم به غير أن الله تعالى بعلمه بما بلغته نفس ذلك الرسول من السمو وما انطوى عليه قلبه من النيّة العالية وحب الخير أراد تعالى ألاَّ يحرمه من ذلك الخير وأن يجعل هداية هؤلاء على يديه ولذلك أوقعه فيما أوقعه به من الغم وضيَّق عليه هذا التضييق فلعلَّه بهذا الغمّ يعرف أنَّ الله تعالى إنَّما تفضَّل عليه بفضل كبير لانهاية له في تحميله إياه أعباء الرسالة وتكليفه بمهمة هداية قومه، وإنه إنما ظلم نفسه بتركهم وإنه كان يجب عليه أن يكون أصبر على الإنكار وأشدَّ ثباتاً في التبليغ رغم كل ما لاقى من المعارضات.
وقد أدى السقوط في البحر والتقام الحوت بهذا الرسول الكريم إلى هذه النتيجة التي أرادها الله تعالى وابتغاها له. فما أن أحاطت به ظلمة بطن الحوت وظلمة أعماق المياه في البحر وظلمة الليل حتى نادى ربه في الظُلمات ملتجئاً إليه وإلى ذلك تُشير الآية الكريمة في قوله تعالى: {فَنَادى في الظُّلُمَاتِ أَن لاَ إِلهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.
وكلمة {لاَ إِلهَ إلاَّ أَنتَ}: أي: يا رب أنت المسيّر وحدك وأنا لا حول لي ولا قوة في إخراج أحد من الكفر ونقله إلى الإيمان، فأنت أعلم بما في نفوس عبادك وأنت الهادي والمسيِّر تسيِّر كل نفس إلى ما يُناسبها وما عليّ من واجب سوى التبليغ والبيان وكلمة {سُبْحَانَكَ} أي: ما أعظم فضلك عليّ لقد ألقيتني في هذا الضيق لتعرِّفني أنك أردت لي الخير العظيم بإرسالي إلى قومي وأنا إنَّما حرمت نفسي من هذا الخير، إذ لم أكن أصبر وأثبت أمام هذه المعارضات وكلمة {إِنّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} أي: لقد ظلمت نفسي بعملي هذا وحرمتها من الخير فاغفر لي وامحُ من نفسي هذا التألم الذي أجده وأنت أرحم الراحمين وقد سمع الله تعالى مناجاة هذا الرسول الكريم فاستجاب له ونجَّاه من الغمِّ وإلى ذلك تُشير الآية الكريمة في قوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجي المُؤمِنينَ} أي: وكذلك كل مؤمن إذا هو في ساعات الشدّة والضيق التجأ إلينا ورجع كما رجع يونس فإننا نخلِّصه من تلك الشدّة وننجّيه.
وقد أراد تعالى أن يبيِّن لنا في هذه القصة نقطة أخرى من النقاط الهامة فذكر لنا أن الصبر على البلاء والاستسلام لله فيما يسوقه للإنسان من الشدّة هو أيضاً من الأسباب الموصلة إلى نيل الفضل الإلهي واكتساب الدرجات العالية ولذلك قال تعالى: {فَلَوْلا أَنَّه كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي: لولا أن يونس فكَّر وتعرَّف إلى السبب الذي جلب له هذه الشدة ورجع إلى ربه شاكراً فضله فنال ما نال من الدرجات العالية بهداية قومه لجعلناه ينال ذلك الفضل الإلهي والعطاء عن طريق آخر فنبقيه مضيّقاً عليه مغموماً في بطن الحوت وبصبره على هذا البلاء واستسلامه ورضاه بما نسوقه له مع عدم علمه بالسبب نرفع درجته ونبلِّغه ما تأهلت له نفسه من المنازل العالية.
وأمَّا آية {لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}: فإنَّما تُشير لنا أيضاً إلى عدم فناء الأنبياء في قبورهم بعد الموت وبقاء أجسادهم على ما هي عليه إلى يوم القيامة ثمَّ إنَّ الله تعالى أخرج سيدنا يونس e من بطن الحوت إلى سطح الأرض، قال تعالى: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} ورحمه تعالى بأن أنبت عليه شجرة من يقطين تظلِّله بأوراقها من الحر ومن كل ما يمكن أن يتعرض له جسمه الذي كان بسبب بقائه في بطن الحوت عرضة لأن تؤثر به أبسط المؤثرات. قال تعالى: {وَأَنبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ}: ثم أرسله تعالى إلى قومه كرةً أخرى فآمنوا به.
قال تعالى: {وَأَرسَلْنَاهُ إِلَى ماْئَة أَلفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}. وكلمة {فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} تُشير لك إلى أنَّ الإنسان إذا هو آمن بربِّه ورجع تائباً إليه فإن الله تعالى يرفع عنه العذاب والشدَّة ويمتِّعه بالحياة الطيبة وممّا يُشير إلى هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: {فَلَولاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمَانُها إلاَّ قَومَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْي في الحَيَاة الدُّنْيَا ومتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} .
والذي نفهمه من هذه الآية الكريمة أيضاً هو أن قوم سيدنا يونس عليه السلام وحدهم هم الذين آمنوا وكان إيمانهم سبباً في خلاصهم من العذاب. وهم الوحيدون الذين اهتدوا من بين الأقوام السابقة. والله تعالى إنَّما يحثُّنا على أن نكون مثل قوم سيدنا يونس في الرجوع إلى الحق والاهتداء ليكشف الله عنَّا ما نحن فيه من البلاء لا أن نكون كأولئك المعاندين لرسلهم الذين ظلُّوا مثابرين على تكذيبهم حتى هلكوا وجاءهم أمر ربِّهم.
ومما تُشير إليه هذه القصة أيضاً تذكير المرشد والداعي إلى الحق بالصبر على إيذاء ومعارضة أهل الباطل فلعلّ القوم الذين يعارضون اليوم يهتدون غداً وسواء اهتدوا أم لم يهتدوا فما على الرسول إلاَّ البلاغ والله تعالى لا يُضيع أجر المُحسنين وقد ساق الله تعالى بعض آيات هذه القصة مسلِّياً بها رسوله الكريم سيدنا محمداً e إثر المعارضة الشديدة التي لاقاها من قومه مبيِّناً له ضرورة الصبر والثبات وذلك ما تُشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِكَ وَلا تَكُن كَصَاحِب الحُوتِ إذْ نَادَى وَهُوَ مَكظُومٌ، لَوْلا أَن تَدَارَكهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِهِ لَنُبِذَ بِالعَرَاء وَهُوَ مَذمُومٌ، فَاْجتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}.
وكلمة {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِكَ} أي: لا تَضِقْ بهم ذرعاً، بل اثبت على التبليغ وربك عليم بما يناسبهم. وكلمة {وَلا تَكُن كَصَاحِب الحُوتِ} أي: ولا تتركهم وتفارقهم متألماً من معارضتهم وما يقومون به من الإنكار والتكذيب. وكلمة {إذْ نَادَى وَهُوَ مَكظُومٌ} أي: إذ نادى ربه وهو في بطن الحوت مغموماً في نفسه. أمَّا كلمة {لَوْلا أَن تَدَارَكهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِهِ لَنُبِذَ بِالعَرَاء وَهُوَ مَذمُومٌ} أي: لولا أن الله تعالى أنعم عليه بهذا الوقوع في بطن الحوت لنبذ بالعراء أي لظلَّ متروكاً عارياً من فعل الخير مذموماً من قبل نفسه في عدم فعله الخير بهجره لقومه، غير أنه برجوعه إلى ربِّه وإدراكه السبب الذي جرَّ له هذا التضييق وتقديره فعل ربه فيما ساق الله له من الشدة اجتباه ربه إليه وأعاده إلى قومه وجعل هدايتهم على يديه وجعله من الصالحين لعطائه تعالى وإحسانه.