Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

 سيدنا سليمان عليه hلسلام

 الصفحة الرئيسية

سيدنا سليمان هو ابن سيدنا داوود عليهما الصلاة والسلام، قال تعالى {وَوَهَبْنَا لِداوُود سُليمَانَ نِعمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}.وقد كان سيدنا سليمان e عوناً لأبيه على نشر الحق وإقامة دعائمه في الأرض كما كان من قبل سيدنا إسماعيل مع أبيه سيدنا إبراهيم عليهما السلام. ونظراً لما يعود به فعل الخير على صاحبه من الشأن العالي والقرب زلفى من خالقه فقد طلب سيدنا سليمان من الله تعالى مُلكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعده ليكون ما يناله من ملك عظيم عوناً له على القيام بتأدية رسالة ربه والدعوة إلى سبيل الله على أكمل صورة وأتم وجه. قال تعالى مُشيراً إلى مطلب هذا الرسول الكريم بقوله: {قَالَ رَبِّ اغْفِر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَ يَنبَغي لأَحدٍ مِن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ}.

وقد استجاب الله تعالى دعوة هذا الرسول الكريم فسخَّر له الريح تحمله من مكان إلى مكان حسبما يود ويريد. قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ}. وسخَّر له تعالى أيضاً الشياطين وجعلهم خاضعين لأمره أيضاً. قال تعالى: {والشَّيَاطِين كُلَّ بَنَّاءٍ وغَوَّاصٍ، وآخَرِينَ مُقَرَّنينَ فِي الأصفَادِ}.

وكانت الريح تنقله في برهة الصباح أي في فترة لا تزيد عن ساعة تقريباً مسافة لو أراد أن يمشيها الإنسان على قدميه لاحتاج إلى شهر. قال تعالى: {وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}. وقد أجرى له تعالى النحاس ذائباً يستعين به على صنع الأدوات والأسلحة اللازمة قال تعالى: {وأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ}. والقطر: النحاس الذائب.

وقد سخَّر تعالى لسيدنا سليمان الجن أيضاً يستعين بهم في صنع الأسلحة وبناء الأبنية، وصنع القدور الكبيرة لطعام الجند. قال تعالى: {وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بينَ يَديهِ بإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُم عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعيرِ، يَعمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَحَاريبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالجَوابِ وَقُدُورٍ رَاسياتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُود شُكْراً وَقَليلٌ مِن عِبَادِيَ الشَّكُورُ}.

والمراد بالمحاريب: الآلات التي يستعملها في محاربة عدوّه. والتماثيل: هي الآلات المماثلة لما يستعمله العدو. والجفان: هي الأواني الكبيرة يوضع بها طعام الجند. والقدور الراسيات: هي الأواني العظيمة الراسية يطبخ فيها طعامهم وهكذا فما من مطلب طلبه هذا الرسول الكريم مما فيه معونة على نشر الحق إلاَّ وأعطاه الله إياه.

وقد ذكر لنا تعالى ما ذكره ليُشجعنا على أن نطلب من فضله العظيم ويرينا أن المؤمن إنَّما يطلب الدنيا لتكون سبباً ووسيلة له إلى اكتساب رضاء الله، ونفسه تطلب ما تطلبه لا لشهوة دنيوية وإنَّما لتتوصَّل إلى أعظم قدر ممكن من فعل الخير، والإنسان الحق هو الذي يجعل دنياه مطية لآخرته ووسيلة إلى فعل المعروف، قال تعالى مُشيراً إلى هذه الناحية: {وَابْتغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرةَ ولاَ تنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إليكَ..}.

ولعلك تقول: لماذا طلب سيدنا سليمان e من الله تعالى أن يهب له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وخصَّص نفسه بذلك من دون سائر الناس؟.

فأقول: لقد كان الزمن على عهد سيدنا سليمان e زمناً يتبارى فيه الملوك بما أوتوه من ملك وسلطان ولذلك ومخافة أن ينال الملك رجل مبطل يضلُّ الناس عن الحق ويفتنهم، طلب هذا الرسول الكريم من الله تعالى أن يخصّه بذلك الملك العظيم ولا يهبه لأحد من بعده.

وهكذا فمطلب الرسل دوماً ومطلب كل مؤمن تابع لهم بإحسان إنَّما هو لخير النَّاس ومصلحتهم.

ويكون ما نفهمه من كلمة {لاَ يَنبَغي لأَحدٍ مِن بَعْدِي} أي: لا ينبغي لأحد من الملوك المضلِّين.

ولعلَّك تقول أيضاً: مادام سيدنا سليمان e قد طلب ذلك المطلب لغاية سامية فلماذا لا يطلب سيدنا محمد e ما طلبه سيدنا سليمان؟.

فأقول: لقد تغيَّر الأمر بعد سيدنا سليمان e وأصبح الزمن على عهد سيدنا محمد e زمناً يتبارى فيه البلغاء ويتنافس العظماء ولم يبقَ للملك والسلطان تلك القيمة التي كانت لها من قبل، فبيت شِعرٍ بنظر العرب إذ ذاك أثمن لديهم من قصور كسرى وقيصَر؛ ولذلك لم يعد لهذا المطلب ذلك الشأن وتلك المكانة السابقة. وكانت المعجزة الخالدة لسيدنا محمد e ذلك القرآن وما فيه من البيان العالي الذي تحدّى به الله تعالى الناس جميعاً في كل عصرمن العصور وبيَّن عجزهم عن الإتيان بمثله مهما تقدم الزمان وطال. فقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُورٍ مثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُم صَادِقِينَ}.

{قُلْ لئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ والجِنُّ عَلى أَن يَأتُوا بِمِثلِ هَذَا القُرآنِ لاَ يَأتُونَ بِمِثلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعضٍ ظَهِيراً}.

ونعود الآن إلى القصة التي نحن بصددها فنقول: إن أبرز ما في قصة سيدنا سليمان e وإن شئت فقل الدرس الذي يريد الله تعالى أن يلقيه علينا والعبرة التي يريد أن يسوقها لنا إنَّما تتناول النقاط الثلاثة الآتية:

أن يكون المؤمن رفيقاً بالحيوان فلا يُحمِّله فوق طاقته حتى ولو كانت غاية المؤمن من عمله نشر الحق والجهاد في سبيل الله إذ الخلق جميعاً مخلوقاته تعالى ويجب أن يعطي كل ذي حقٍّ حقه.

أمَّا النقطة الثانية فإنما هي ناتجة ومتولِّدة عن النقطة الأولى فإذا كان من المفروض على الإنسان أن يرفق بالحيوان الأعجمي فمن الأولى الرفق بالإنسان وإعطاؤه حقّه وعدم تكليفه بما لا يطيق.

إنَّ تقصير الإنسان فيما يترتب عليه من واجبات تجاه الآخرين يشعر النفس بتقصيرها بين يدي ربِّها فتنقبض خجلاً وتغضي حياءً منه تعالى وبذلك ينقطع عنها ذلك الإمداد الذي كان يتوارد عليها من ربها وبالتالي يحجب عنها علمها.

والآن وبعد أن أشرنا إلى هذه النقاط الثلاث، نورد لك ما حدث لسيدنا سليمان e، وما ذكره لنا تعالى بهذا الصدد في كتابه الكريم ليكون لنا منه موعظة وذكرى فنقول:

إنَّ سيدنا سليمان e بقربه الشديد من خالقه وبصلة نفسه الدائمة بربِّه اشتق منه تعالى الرحمة بالخلق فأُولِعَ بالجهاد في سبيل الله لردِّ الخلْق إلى الحقِّ وإنقاذهم ممَّا هم فيه من الضلال وتوصّلاً لهذه الغاية السامية أخذ سيدنا سليمان يُجري الخيل ويضمِّرها ويمرِّسها على الكرِّ والفر استعداداً للجهاد وما زال منصرفاً لعمله هذا وقد صرفته غايته السامية عن كل شيء حتى أقبل الليل، وإنه لما أتى بها في العشي وجدها منهوكة القوى من كثرة الجري، ثاب إلى نفسه وعرف أنه إنما تجاوز في حبِّ الخير الحدَّ اللازم وزاد عمّا ذكَّره به ربه من إعطاء كل مخلوق حقه فقد أتعب الحيوان وكلَّفه بأكثر ممَّا يطيقه وإلى ذلك أشارت الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِداَوُود سُليمَانَ نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيّ الصَّافِناتُ الجِيَادُ، فَقَالَ إِني أَحْبَبتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالحجَابِ}.

ويكون ما نفهمه من كلمة {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيّ الصَّافِناتُ الجِيَادُ} أي: أتى بالخيل من جريها في الظلام وقت العشي.

أمَّا ما نفهمه من كلمة {فَقَالَ إِني أَحْبَبتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي} أي: أني تجاوزت في حبِّي لعمل الخير الحدَّ وزدت عما ذكَّرني به ربِّي من إعطاء كلّ مخلوق حقّه وعدم تكليفه بأكثر مما يطيق.

وأمَّا قوله {حَتَّى تَوارَتْ بِالحِجَابِ}: نفسه الشريفة فاحتجب عنها علمها إغضاءً وحياءً من حضرة المولى الرحيم بسبب إتعابها الخيل.

ثمَّ إنَّ سيدنا سليمان أمر رجاله بأن يردُّوا عليه الخيل وجعل يمسح لها سوقها وأعناقها ليجفِّف لها عرقها، إذ من المألوف عند الفرسان وساسة الخيْل أنهم يمسحون أعناق الخيل وسوقها ويجفِّفون عرقها المتصبِّب منها بعد جريها ترويحاً لها وعناية بها. وإلى هذه الناحية أشارت الآية الكريمة: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعنَاقِ}.

ثم إن سيدنا سليمان e لمَّا شاهد أنه حمَّل الخيل أكثر مما تطيق ولما وجد أنه بعمله هذا قصَّر في حقِّها بعض التقصير خجل من عمله ووقف خجله هذا حجاباً بينه وبين خالقه، وبما أنَّ العلم الصحيح وشهود الحقائق يكون بنور الله وحيث إنَّ خجل سيدنا سليمان وقف حجاباً بينه وبين ربه لذلك احتجب عنه ذلك العلم حيناً وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرسِيهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ}.

وحيث إنَّ الفتنة هي خروج ما كَمُنَ في النفس لذلك يكون ما نفهمه من قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَان} أي: أخرجنا ما كَمُنَ في نفس سليمان من حبِّ الخير، وأظهرنا للعيان ما شغف به قلب هذا الرسول من التفاني في خدمة الخلق. أمَّا كلمة {وَأَلْقَينَا علىكُرسِيهِ جَسَداً} أي: سترنا عليه علمه لأن من معاني الكرسي في اللغة: العلم والمشاهدة ويثبت لك هذا المعنى قوله تعالى: {..وَسِعَ كُرسِيُّهُ السَّمَواتِ وَ الأَرضَ..} أي: أحاط علمه تعالى بما تحتاج أن تقوم به السموات والأرض. وإذاً فكل ما يقع عليه نظر نفسك من الحقائق إنَّما هو كرسي لهذه النفس أمّا الجسد فهو كل ما حلَّ في مكانه وأخذ موضعاً له فيه، وبسبب الخجل الذي حلَّ في نفس سيدنا سليمان e أصبح مستقراً فيها وساتراً لعلمه.

أقول: وهذه المعاني إنَّما هي حقائق نفسية يؤيدها شعور الإنسان النفسي فمن طبيعة النفس أن تغضي حياءً عند شعورها بالتقصير وأن يصبح خجلها ستراً بينها وبين زيد من الناس إذا هي قصَّرت في حقِّه وذلك الحال ذاته إنَّما يقع في نفس المؤمن إذا آنس من نفسه تقصيراً في جنب الله فيتوقف انطلاق نفسه عن العروج في صلاته من حال إلى حالٍ أعلى وأرقى وأبقى، فيتوقف عن انطلاقه النفسي في بحور أسماء الله العُلى، إذ الصلاة معراج المؤمن، وهذا أمر معروف عند كل مؤمن بالبداهة فلا يحتاج إلى زيادة في الشرح والتوضيح. ذلك هو ما وقع في نفس سيدنا سليمان e، وما أن آنس في نفسه توقف الحال عند مشاهدة عليَّةٍ واحدة ولم تعرج نفسه في العلوم الربانية تصاعدياً أسمى حتى رجع إلى ربِّه معترفاً. وذلك ما أشارت إليه الآية الكريمة: {ثُمَّ أَنَابَ}. وهكذا فالمؤمن سرعان ما يؤوب إلى ربه وينيب.

ثم إن سيدنا سليمان e طلب من الله تعالى أن يجعله دوماً قائماً في حقوق الخلق جميعاً فلا يعود بعد يومه هذا يقصِّر في حقِّ مخلوق من المخلوقات. قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِر لِي} أي: اشفني وارفع من نفسي هذا الحال الذي وقع مني فلا أعود أقصِّر في حقِّ مخلوق حبّاً بمخلوق آخر {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَ يَنبَغِي لأَحدٍ مِن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ}.

وتلك هي مراحل تدرَّج فيها سيدنا سليمان e في طريق الكمال فمن كمال إلى أكمل ومن حال إلى حال أرقى وأرفع وتلك هي عظات بالغة تتجلَّى فيها للإنسان العدالة الإلهية بأجلى مظاهرها ليعلم المؤمن أن الله تعالى حكمٌ عدلٌ وأن الخلْق جميعاً عباده. فمن أراد أن يظل قريباً دوماً من خالقه فلا يقصِّر في حق مخلوق من المخلوقات مهما كانت الغاية عالية ومهما كان القصد شريفاً سامياً قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضرِبُها لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ}.

وقبل أن نختم قصة سيدنا سليمان، لا بدَّ لنا من أن نتكلَّم عن قصته e مع الملكة بلقيس. هذه القصة التي تبيِّن لنا بجلاء أن هذا الرسول e لم يطلب ما طلبه من الملك العظيم حبّاً بالدنيا وزينتها ولا رغبة في عزِّها وسلطانها إنَّما طلب الملك حبّاً في فعل المعروف وعمل الخير لينال رضاء الله تعالى في تعريف خلقه به وليتقرَّب زلفى إلى ربِّه بردِّ عباده إلى طريق الحق وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.

وتفصيلاً لهذه الناحية لا بدَّ لنا من أن نذكر الآيات الكريمة الواردة بهذا الخصوص والتي جاءت بها سورة النمل متكلِّمة عن هذا الرسول الكريم في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الحَمْدُ للهِ الَّذي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ منْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ، وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيءٍ إنَّ هذا لَهُوَ الفَضْلُ المُبينُ، وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنسِ وَالطَّيرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذَا أَتَواْ عَلَى وَادِ النَّملِ قَالتْ نَمْلةٌ يَاأَيُّهَا النَّملُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُم لا يَحْطِمَنَّكُم سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّم ضَاحِكاً مِن قَولِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمتَ عَلَيّ وعَلَى والِدَيَّ وَأنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرضَاهُ وأَدْخِلْني بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحينَ، وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقَالَ مَالِي لا أَرى الهُدهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الغَائِبينَ، لأُعَذِّبَنَهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاذْبَحَنَّه أَو لَيأْتِيَنّي بِسُلطانٍ مبينٍ، فَمَكَثَ غَيرَ بَعيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِط بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنبأٍ يَقِينٍ، إِني وَجَدتُّ امْرأةً تَمْلِكُهُمْ وأُوتيَتْ مِن كُلِّ شيءٍ وَلَهَا عَرشٌ عَظيمٌ، وَجَدْتُّهَا وَقَومَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمسِ مِن دُونِ الله وَزَيَّن لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُم فَصَدَّهُم عَن السَّبيلِ فَهُم لا يَهْتَدُونَ، ألاَّ يَسْجُدُوا للهِ الذي يُخْرجُ الخَبءَ فِي السَّمواتِ وَالأَرضِ وَيَعلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعلِنُونَ، اللهُ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ رَبُّ العَرشِ العَظيمِ، قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِن الكَاذِبينَ، اذْهَب بِكتابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيهِم ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ}.

ولما ألقي الكتاب إلى تلك الملكة وتبيَّنت ما فيه جمعت ملأها وعرَّفتهم بالأمر. قال تعالى: {قَالتْ يَا أَيُّهَا المَلؤُا إِني أُلْقِي إِليَّ كِتَابٌ كَريمٌ، إِنَّه مِن سُلَيْمَانَ وَإنَّه بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ، أَلاَّ تَعْلُوا عَليَّ وَأْتُونِي مُسْلِمينَ، قَالتْ يَاأيُّهَا المَلؤُا أَفْتُونِي فِي أَمري مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ، قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوةٍ وَأُولُواْ بأسٍ شَدِيدٍ وَالأمرُ إِليكِ فانْظُري مَاذَا تأْمُرينَ، قَالتْ إِنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهلِها أَذِلَةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، وإنّي مُرْسِلَةٌ إليهِم بهَدِيَّةٍ فَنَاظِرة بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ، فَلَمَّا جَاءَ سُلَيمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَمَا آتانِ اللهُ خَيرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ، ارْجِع إِليهِم فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَ قِبَلَ لَهُم بِها ولَنُخرِجَنَّهُم مِنْها أَذِلَّةً وَهُم صَاغِرُونَ}.

فلمَّا رجع المرسل: وبيَّن لها وضع سيدنا سليمان e تجاه هديتها وذكر لها مقالته أزمعت على أن تأتي إليه بذاتها وقد عرَّفته بحضورها ولمَّا بلغ سيدنا سليمان أنها قادمة إليه التفت إلى من حوله طالباً منهم أن يأتوه بعرشها. {قَالَ يَاأيُّهَا المَلؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأتُوني مُسْلِمينَ، قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَقَامِكَ وإِني عَلَيْهِ لَقَوِيٌ أَمينٌ، قَالَ الَّذي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبلَ أَن يَرتَدَّ إِليكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رءَاهُ مُسْتَقِراً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضلِ رَبِّي لِيَبلُوَني ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكفُرُ وَمَن شَكَر فَإِنّما يَشْكُرُ لِنَفسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنيٌ كَريمٌ}.

وأنت ترى من هاتين الآيتين الأخيرتين كيف أنَّ العفريت والمراد به الكافر المعفَّرة نفسه ببعدها عن ربِّها عرض على سيدنا سليمان e أن يأتيه بالعرش قبل أن يقوم من مقامه وكيف أن المؤمن الذي عنده علم من الكتاب استطاع أن يأتيه به من اليمن بمدَّة لا تزيد عن لمح البصر.

إن هذه النقطة تبيِّن لنا أنَّ المؤمن مهما كان نوعه يتفوَّق على الكافر وهو دوماً أشدُّ قوة وأعظم علماً ومعرفة، إذ المؤمن في كل أمرٍ رأس، بل وفوق كل كافر.

ولما رأى سيدنا سليمان e العرش مستقراً عنده شكر الله تعالى على هذه النعمة كما رأينا من قبل في الآية.

ثمَّ إنَّه أراد أن يمتحن ذكاء هذه الملكة ويسبر غور تفكيرها لأن المفكِّر صافي الذهن يستطيع أن يتبيَّن الحق ومن المأمول منه أن يذعن للحق ويرضخ إليه أمَّا الخامل الفكر البليد الذهن فأمره مشكل ودلالته عسيرة ومع ذلك فهو إذا رأى الحق لا يستطيع أن يقطع في هذا السبيل مسافات واسعة لصغر دائرته وضيق مجال تفكيره ولذلك أمر سيدنا سليمان e بأن يغيِّروا لها عرشها بعض التغيير، قال تعالى:{قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَها نَنظُرْ أَتَهتَدِي أَمْ تَكُونُ مِن الَّذينَ لاَ يَهْتَدُونَ، فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا العِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمينَ}. هنالك طمع سيدنا سليمان في هدايتها فأمرها بأن تدخل الصرح، والصرح: موضع أرضه من زجاج متقن الصنعه، شفَّاف يشفُّ حتى يصف ما وراءه ولشدة نقائه وصفائه لا تراه، بل تلمسه لمساً. وإلى ذلك تُشير الآية الكريمة: {قِيلَ لَهَا ادْخُلي الصَّرحَ}.

أمَّا هي فلما رأت الصرح ونظرت إلى أرضه حسبتها لشدَّة صفائها ودقَّة صنعها ماءً وكشفت عن ساقيها لئلا تبتل ثيابها، قال تعالى: {..فَلَمَّا رأَتهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّه صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ}.

وفي هذه اللحظة استعظمت هذه الملكة التي أوتيت من كل شيء ما أوتيه سيدنا سليمان e من الملك العظيم واستصغرت ملكها واحتقرت نفسها بجانبه ونظرت إلى سيدنا سليمان نظرة إكبار وإجلال وهنالك وبهذه النظرة وبهذا التعظيم وإن شئت فقل بإقبال نفسها على نفس هذا الرسول العالية شهدت الحق وعاينته فكانت نفسه لنفسها سراجاً مُنيراً رأت به عظمة خالقها وكمالات ربها فاستسلمت لربها طائعة مذعنة، وإلى ذلك تُشير الآية الكريمة:{قَالَتْ رَبِّ إِنّي ظَلَمتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُليْمَانَ للهِ رَبِّ العَالَمينَ}.

ومن هنا يتبيَّن لنا أن سيدنا سليمان e لم يطلب ذلك الملك العظيم إلاَّ ليكون وسيلة له إلى فعل الخير وردِّ الخلْق إلى الحق؛ إلى ينبوع كل خير وجمال وجلال جلَّ جلاله وتشاهقت عظمته وتسامت لنا محبته تعالى. كما يتبيَّن لنا أن رؤية الحق وبلوغ منازل الإيمان الصحيح لا تكون إلاَّ بتعظيم أهل الحق وإكبارهم وقد أشار تعالى إلى هذا المبدأ الثابت في قصة سيدنا موسى e مع السَّحرة وفي مواقع أخرى وصرَّح به في حقِّ سيدنا محمَّد e فقال تعالى: {..فَالَّذينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ واتَّبَعُواْ النُّورَ الذي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} .

وآخر ما سنتعرَّض إليه في قصة سيدنا سليمان أمر موته e فقد ذكر لنا تعالى في معرض الكلام عن هذا الرسول e ما يُشير إلى بقاء أجساد الأنبياء بعد وفاتهم وعدم فنائهم في قبورهم وتفصيل ذلك أنَّ سيدنا سليمان e لمَّا جاءه الموت كان جالساً مطرقاً برأسه متكئاً على منسأته "أي عصاه".. فلمَّا قُبِضَ "أي مات" ظلَّ على هذا الحال حيناً وكان قد كلَّف الجن أن يقوموا بأعمال فاستمروا ينجزونها وهم لا يدرون بموته.

وقد مضى على هذا الرسول حين من الدهر وهو على هيئة الجالس يحسبه الرائي نائماً أو مطرقاً مفكِّراً ولهيبته في القلوب ما كان يجرؤ أحد على إيقاظه فلما تقادم الزمن عليه جعلت دابة الأرض تأكل عصاه إلى أن أصبحت ضعيفة واهية لا تقوى على حمل جسده هنالك خرَّ e على الأرض وظهر أمر موته وتُشير إلى ذلك الآية الكريمة في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَينَا عَلَيهِ المَوتَ مَادَلَّهُم عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرضِ تَأكُلُ مِنسأَتَهُ}.

وبهذه الواقعة ظهرت حقيقة الجن للناس فتبيَّن أنهم لا يعلمون الغيب ولو أنهم يعلمون الغيب لما لبثوا يقومون بما كلَّفهم به سيدنا سليمان e من الأعمال الشاقَّة رجاء أن يثوبوا إلى رشدهم وينقادوا إليه فيهتدون بهديه ويسيرون في طريق الحق. قال تعالى: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنتِ الجِنُّ أَن لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيبَ مَا لَبِثُوا فِي العَذابِ المُهِينِ}.

ويكون ما نفهمه من كلمة {تَبَيَّنتِ الجِنُّ} أي: ظهر أمر الجن وانكشفت حقيقة هذا النوع من المخلوقات للناس فعرفوا أن الجن لا يعلمون الغيب وأنهم كغيرهم من المخلوقات وبهذا يريد تعالى أن ينبِّهنا إلى عدم الاعتزاز بقول السَّحرة والمنجِّمين الذين يدَّعون معرفة الغيب بواسطة الجن، وهكذا فلا الجن ولا الإنس يعلمون الغيب حتى ولا الأنبياء والمرسلون. قال تعالى: {قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَواتِ والأَرضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللهُ..}.

وقد أمر تعالى رسوله الكريم أن يعلن هذه الحقيقة للناس فقال تعالى: {قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفسِي نَفْعاً ولاَ ضَرّاً إلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيبَ لاسْتَكْثَرتُ مِنَ الخَيرِ وَمَا مَسَّني السُّوءُ إِن أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَومٍ يُؤْمِنونَ}

 الصفحة الرئيسية