Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

سيدنا موسى عليه السلام

 الصفحة الرئيسية

رأينا من قبل في قصة سيدنا إبراهيم أن حفيده يعقوب وهو الملقَّب بإسرائيل رُزق إثنا عشر ولداً ذكراً، وكان سيدنا يوسف صلى الله عليه وسلم أحد هؤلاء الأولاد، وقد استوطن أولاد سيدنا يعقوب صلى الله عليه وسلم  وسكنوا في بلاد مصر على عهد أخيهم سيدنا يوسف صلى الله عليه وسلم. ولم يمضِ حينٌ من الدهر حتى تكاثروا وتوالدوا وأصبح بنوا إسرائيل أمةً لها تقاليدها وعاداتها ومعتقداتها الخاصة من دون أهل مصر الذين كانت أكثريتهم من الأقباط وهم سكان مصر الأصليون، وكان ملوك الأقباط يدعون بالفراعنة وهم على جانب عظيم من السلطان والسيطرة.

فلمَّا فسد بنوا إسرائيل وحادوا عن دين الله وشريعته التي كان عليها آباؤهم من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب سلَّط عليهم أحد الفراعنة وكان كافراً بالله فجعل يستضعفهم ويسومهم سوء العذاب.

وتلك هي قاعدة عامة وسنَّة من السنن التي رسمها الله تعالى لهذا الإنسان في هذه الحياة. فإذا ما حاد المؤمنون عن طريق الحق ونبذوا وراءهم ظهرياً شريعة ربهم سلَّط الله عليهم رجلاً كافراً جبَّاراً عنيداً يُذيقهم ألوان العذاب وضروب المذلَّة فضلاً منه تعالى ورحمة بهم، فلعلَّهم إذا اشتدَّت عليهم وطأة هذا الظالم يثوبون إلى رُشدهم ويعرفون سبب هذه الشدة التي نزلت بهم فيرجعون ويتراجعون عن ضلالهم. ذلك هو ما أصاب بني إسرائيل، وذلك هو سبب نزول البلاء بالمؤمنين إن هو إلاَّ رحمة من الله تعالى بهم وفضل منه عليهم، قال تعالى مشيراً إلى هذه الناحية فيما أصاب بني إسرائيل: {وإِذْ نَجَّينَاكُم مِن آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكمْ سُوءَ العَذَابِ يُذَبِّحُونَ أبنَاءَكُمْ ويَسْتَحيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِن رَبِكُمْ عَظِيِمٌ}.

فإذا رجع هؤلاء المؤمنون إلى ربهم وأقلعوا عن ضلالهم أيَّدهم الله بقوة من عنده وأظهرهم على عدوهم فلعلهم يقلعوا عن كفرهم ويسلكوا سبيل الحق وهكذا فعله تعالى كله خير في حق كل مخلوق، وهو يُحمد على كل حال وفي النهاية يحمده كل مخلوق، قال تعالى: {..وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدتِ الأَرضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ}.

وقد اشتدَّ البلاء على بني إسرائيل لمَّا رأى فرعون في نومه رؤيا أفزعته كل الفزع لأنها كانت تشير إلى أن ملكه وسلطانه سيزول على يد رجل سيولد من بني إسرائيل. والرؤيا كما ذكرنا من قبل رحمة من الله تعالى بالإنسان بيدَ أنَّ فرعون بعد رؤياه هذه بدلاً من أن يتعظ ويرجع عن ظلمه وضلاله بالغ في الظلم والطغيان واستمر في العدوان، وظنَّ أنه يستطيع أن يدفع عن نفسه ذلك الخطر اللاحق به ولم يعلم أن الفعل بيد الله وحده فلا معقّب لحكمه ولا راد لأمره. ولذلك أخذ يذبح كل مولود ذكر لبني إسرائيل كما أباح لجنده نساءهم.

وإلى ذلك تُشير الآية الكريمة في قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَونَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَل أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنهُمْ يُذَبِّح أَبْنَاءهُم وَيَسْتَحي نِسَاءهُم إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ}.

ولما أذاق الله تعالى بني إسرائيل على يد ذلك الطاغية وبال أمرهم وآن لهم أن يكشف الله تعالى عنهم ما هم فيه أخرج تعالى هذا المولود الجديد الذي سيكون على يديه تدمير ما كان يصنع فرعون وقومه، إذ لم يغيِّروا ما بأنفسهم ويرجعوا عن ظلمهم وغيِّهم وبغيهم، وبواسطته سيكون خلاص بني إسرائيل ممَّا حلّ بهم. وأوحى الله إلى أمِّهِ أن ترضعه فإذا هي خافت عليه أن تلقيه في اليمِّ ووعدها بأن يردّ إليها ولدها وبشَّرها بأنه سيجعله من المرسلين. وذلك ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَأَوحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فإذَا خِفتِ عَلَيهِ فَألْقِيهِ فِي اليَمّ ولا تَخَافِي وَلاَتَحزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِليكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلينَ}.

وقد فعلت هذه الأم ما أمرها به ربها فأرضعت طفلها وألقته في اليمِّ.

وقد أراد ربك أن يُري فرعون وقومه وأن يري الناس جميعاً أن الفعل فعله تعالى فإذا أراد الله تعالى أمراً فلا مردّ له ولذلك أوقع هذا الطفل الصغير في يد آل فرعون لتكون تربيته في أحضان فرعون ذاته. {..واللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ..}.

وإلى ذلك تُشير الآية الكريمة في قوله تعالى: {فالتقَطَهُ آلُ فِرعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُم عَدُوّاً وَحَزناً إنَّ فِرعَونَ وَهَامَان وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}.

ولمَّا همَّ بذبح هذا الطفل كما كان يفعل بغيره من أبناء بني إسرائيل ألقى الله تعالى على هذا الطفل محبّة منه فوقع حبُّه في قلب امرأة فرعون وحالت بينه وبين ما أراد وإلى ذلك أشارت الآية الكريمة في قوله تعالى: {..وَأَلقيْتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}. والآية الكريمة في قوله تعالى: {وَقَالتِ امرَأتُ فِرعَوْنَ قُرَّتُ عَينٍ لي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}. أما الأم فما أن ألقت طفلها في اليمِّ حتى هاجها حنانها وعطفها وكادت تلحق به وتُظهر للناس أمرها. لكن الله تعالى ثبَّتها وربط على قلبها فذكرت ما وعدها به ربها وهنالك عادت إليها طمأنينتها. قال تعالى {وأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَولا أَن ربطنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ} وقد طلبت من ابنتها أن تتبع أخاها لترى ما سيكون من أمره. {وَقَالتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ}: أي تتبَّعيهِ. {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}: أي لم يدرِ آل فرعون ولم يشعروا بأنَّ ذلك الطفل أخوها.

وإذا أردت أن تدرك أن وعد الله حق وأن الفعل في هذا الكون بيده تعالى وحده فانظر إلى الكيفية التي أعاد الله تعالى بها هذا الطفل إلى أحضان أمه. لقد جاؤوه حينما قرّ رأيهم على تبنِّيه، واتخاذه ولداً بعددٍ من المراضع يرضعنه فأبى وما ارتضى ثدياً، وكيف يرضع وقد كفَّ الله فمه عن الإرضاع منهنَّ وحرَّم عليه المراضع جميعاً. قال تعالى: {وَحَرَّمنَا عَلَيهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ}.

وفيما هم في هذا الهم المحدق لا يعرفون منه مخرجاً دنت أخته منهم وهم لا يشعرون بصلتها به ولا قرابتها منه {فَقَالتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} وما أن جاءت الأم حتى أقبل ذلك الطفل عليها وأخذ يرضع رضاعاً متواصلاً. ففرحوا بذلك أشدَّ الفرح وكفَّلوها إيَّاه. وبذلك على غير شعور من فرعون وملئه ردَّ الله تعالى إلى الأم ولدها. وأعاده إلى أحضانها آمنة مطمئنة. قال تعالى: {فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَيْنُهَا ولاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.

وقد ترعرع سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم في أحضان فرعون وما زال حتى بلغ أشدَّه واستوى وهنالك آتاه الله حكماً وعلماً. وإلى ذلك تُشير الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واستَوَى آتَينَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ}.

والحكم كما مرَّ معنا في قصة سيدنا يوسف صلى الله عليه وسلم هو إنزال الأمور منازلها ووضع الحق في مواضعه. والحكم لا يكون إلاَّ بعد العلم ورؤية الحق. أما كلمة {وَكَذلِكَ نَجْزِي المُحْسِنينَ}: فإنما تُشير لنا إلى أن العطاء الإلهي إنما هو مبني على قواعد ثابتة وقوانين. فالله تعالى لا يؤتي الحكم والعلم إلاَّ لمن كان صادقاً وعلامة صدق الإنسان أن يقدم من الأعمال الطيبة ويسلف من الإحسان ما يجعله حقيقاً بذلك الإكرام.

وقد أراد تعالى أن يبيِّن لنا ما قدَّمه هذا النبي الكريم من أعمال يستحق بها ذلك العطاء فذكر لنا قصته مع القبطي.

وخلاصة هذه القصة أنَّ سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم مارّاً في أحد شوارع المدينة فوجد رجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل أي: من قوم سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم والآخر من القبط أي: من قوم فرعون وقد أخذ القبطي ينال من الإسرائيلي والإسرائيلي مغلوب على أمره بين يدي عدوّه ولا يجد من ينصره. فما أن رأى سيدنا موسى مقبلاً حتى استغاث به واستنصره، ووقع سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم في هذه البرهة بين أمرين: أيظل مقيماً في مصر آمناً مطمئناً بما بين يديه من مُلْك في ظلال فرعون وما يُريد من دنيا واسعة ويدع هذا الإسرائيلي للقبطي يظلمه ويعذبه، أم لا يبالي بهذا كله ويضرب على يد ذلك الظالم ولو أدَّى به الأمر إلى أن يعرِّض نفسه لغضب فرعون والتضحية بكل ما يجده من حياة الدعة والطمأنينة. وهنالك وفي هذه اللحظة أبت عليه مروءته أن يدع ذلك المظلوم دون أن ينصره ودفعه حبُّه للحقِّ أن وكز بيده ذلك القبطي ليبعده عن الإسرائيلي، ومن شدّة ثورة الحق بنفس سيدنا موسى عليه السلام كانت ضربته معبِّرة ساحقة ماحقة لباطل الظالم فقضت على باطله وعليه وخرَّ القبطي المعتدي صريعاً ميتاً.

وإلى هذه الواقعة أشارت الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فيِها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلان هذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِهِ فَاسْتَغَاثَهُ الذي مِن شِيعَتهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ}.

ولما رأى سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم ما حلَّ بهذا الظالم بسبب ظلمه التفت إلى الإسرائيلي يعظه ويحذِّره فقال: {هَذا مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ} أي أن خصمك مات وحلَّ به ما ترى بسبب متابعته للشيطان فاحذر أن تطيعه في ظلم أحد لئلا يصيبك ما أصاب خصمك. ثمَّ تابع قوله فقال: {إنَّه عَدُوٌّ مُضِلٌ مُبينٌ}.

وقد أدرك سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم أنه بعمله هذا قد عرَّض نفسه للخطر وانكشف أمره بأن أصله إسرائيلي وهو من يخشاه فرعون على حياته وملْكه، فإذا ما انكشف أمر قتله للقبطي وعرف فرعون وملؤه ذلك فلا بدَّ أنهم سينتقمون منه. ولذلك طلب من الله تعالى أن يغفر له أي أن يحفظه من شرِّهم وأذاهم، وإلى هذا تُشير الآية الكريمة في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِر لي} أي: إنني بنصرة هذا المظلوم عرَّضت نفسي لإيذاء هؤلاء الظلمة وقد كنت من قبل آمناً مطمئناً مجهول الهويَّة لا أخاف منهم أحداً فاحفظني من شرِّهم.

وقد استجاب الله تعالى دعوته ووقاه وذلك ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {فَغَفَرَ لَهُ إِنَّه هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

وإذا أردت أن تدرك قيمة هذا العمل العظيم الذي قام به سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم: فتصوَّر أنك في بلد حاكمه مستبد والحاكم وأهل ذلك البلد كلّهم من أعدائك وذات يوم وجدت رجلاً من هؤلاء الأعداء يظلم رجلاً من قومك فضربت العدو وانتصرت للحق. ترى كم تكون قد عرَّضت نفسك للخطر وكم يكون قلقك عظيماً؟.

فإذا تصورت نفسك في مثل هذا الوضع أدركت ذلك الحال الذي أصبح فيه سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم وأدركت قيمة عمله.

على أن سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم في كل ما تعرَّض له من خطر ظلَّ ثابتاً على مبدئه في نصرة الحق وإلى ذلك تُشير الآية الكريمة في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً للمُجْرِمِينَ} أي: ما يكون لي وقدجعلت في قلبي ما جعلت من حبٍّ للحقِّ أن أكون معيناً للمجرمين الذين حرموا أنفسهم من كل خير.

وفيما هو على ذلك الحال من القلق، رأى في اليوم الثاني رجلاً آخر من القبط يظلم ذلك الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس فما أن رأى ذلك الإسرائيلي سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم مقبلاً حتى استصرخه مستغيثاً به.

قال تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي المَدِينَةِ خَائفاً يَتَرَقَّبُ فإِذَا الَّذي اسْتَنصَرَهُ بِالأمسِ يَسْتَصْرِخُهُ}.

هنالك التفت سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم إلى الإسرائيلي وخاطبه قائلاً: {إِنَّكَ لَغَوِيٌ مُبِينٌ} أي: إن تسلَّط ذلك القبطي عليك بالأمس وما وقع من التسلُّط عليك اليوم يدلُّ دلالة صريحة على غوايتك أي شذوذك وخروجك عن الحق ولو كنت امرءاً مستقيماً على الحق لما سلَّط الله عليك أولئك.

ولمَّا أراد أن يبطش بالقبطي ليخلِّص الإسرائيلي من شرِّه خاطبه القبطي قائلاً يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، قال تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذي هُوَ عَدُوٌ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِن تُريدُ إلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً في الأَرضِ وَمَا تُريدُ أَن تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ}.

إذن لقد شاع في المدينة الأمر وتبيَّن أن موسى صلى الله عليه وسلم هو الذي قتل بالأمس ذلك القبطي، وهنالك ثارت ثائرة القبط وصمم فرعون وملؤه على قتل سيدنا موسى، وقد أراد ربك أن يحفظ سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم من أذاهم ومكرهم فساق رجلاً كان قد اطّلع على تلك المؤامرة ليخبر سيدنا موسى بالأمر. قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إنَّ المَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ليَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}.

وأنت ترى من هذا أنَّ الله تعالى هو العليم الحكيم وأنه هو المتصرِّف في هذا الكون فبيده تعالى وحده الأمر. وقد ساق ذلك الرجل من أقصى المدينة ليخبر سيدنا موسى بما تآمر عليه أعداؤه، وكذلك كل من كانت غايته من عمله رضاء ربه فلا بدَّ أن يحفظه الله من كلِّ مكروه.

وقد خرج سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم من مصر وانتهى به مسيره إلى بلاد مدين وجمعه الله تعالى بسيدنا شعيب صلى الله عليه وسلم، فلما قصّ عليه قصته قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين.

وقد رغب سيدنا شعيب صلى الله عليه وسلم بهذا الشاب من بعد ما رأى من مروءته وصفاته العالية في أن يجعله زوجاً لابنته. وإلى ذلك تُشير الآية الكريمة في قوله تعالى: {قَالَ إِنّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَني ثَمَانِي حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ..}.

والحجج جمع حجة وهي السنة ومكث سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم في مدْين برفقة ذلك الرسول الكريم السنين ذوات العدد ثم سار بأهله، وفي الطريق آتاه ربُّه الرسالة وأمره بأن يذهب وأخاه إلى فرعون وآتاه تعالى من الآيات ما يكون عوناً له في تأدية رسالة ربِّه.

ومن رحمة الله تعالى ولطفه بعباده أن أمر رسوله بأن يقول لفرعون قولاً ليناً فلعلَّه يتذكَّر أو يخشى فيُرحم ويزداد رفعة شأن بالدنيا وبالآخرة. قال تعالى: {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتي ولاَتَنِيَا في ذِكْرِي، اذْهَبَا إلى فِرْعَونَ إِنَّه طَغَى، فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً ليّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخْشَى}.

وإِنك إذا نظرت في هذه الآيات الكريمة عرفت حنان الله تعالى ورحمته بعباده. وإذا كانت هذه رأفته ورحمته بأشد الناس طغياناً وخروجاً عن الحق فكيف بمن أطاعه وسار على أمره.

ذهب سيدنا موسى وأخوه عليهما السلام إلى فرعون وبلَّغه رسالة ربه. قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَونُ إِنّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العَالَمينَ، حَقِيقٌ عَلَى أَن لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاّ الحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنةٍ مِن رَبِّكُم فَأرْسِلْ مَعِي بَني إسْرائيلَ، قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَألقَى عَصَاهُ فَإذا هِي ثُعبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزعَ يَدهُ فَإذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ}.

وعلى الرغم مما جاءهم به من البيِّنات {قَالَ المَلأُ مِن قَومِ فِرْعَونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} وقال فرعون إنَّ موسى {يُريدُ أَن يُخْرِجَكُم مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذا تَأمُرُونَ، قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وأَرْسِلْ فِي المَدَائنِ حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} .

وهكذا فالإنسان إذا هو لم يفكِّر بما في الكون من آيات وإن هو لم يتوصَّل بذاته من تعظيم الكائنات إلى تعظيم خالقها وموجدها فليس تنفع موعظة نبي ولا رسول فيه، ولا توقظه من غفلته معجزة ولا آية.

وطلب الملأ من قوم فرعون كما رأينا أن يأتي بالسحرة ليتباروا مع سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم وما أدركوا بياناً، وكذلك النفوس التي سيطرت عليها شهواتها وملأها حبّ الدنيا تعمى عن الحق. وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذه الناحية بقوله:«حبّك الشيء يعمي ويصم».

وقد أرسل فرعون في المدائن حاشرين يأتوه بكل سحّار عليم. وقد أشار تعالى إلى ذلك في الآيات الكريمة بقوله: {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَونَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ، قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِي وَإِمَّا أَن نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ، قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاس واسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وَأَوْحَينَا إِلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فإِذَا هِي تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَوَقَعَ الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صَاغِرينَ، وَأُلْقِي السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُوا آمَنَّا بِربِّ العَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}.

وهكذا فقد ألقي السحرة سجداً وآمنوا جميعاً، أما فرعون وقومه فما ازدادوا إلاَّ عتواً وطغياناً وجحوداً بآيات ربِّهم واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً. وقد هدَّد فرعون السحرة بالتعذيب والتنكيل فلعلَّهم يرجعون عن إيمانهم، وذلك ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {قَالَ آمَنتُم لَهُ قَبلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوع النَّخْل وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى}.

فما كان جواب السحرة إلاَّ أن: { قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إلَى رَبِّنا مُنقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ المُؤمِنينَ}. وما أرهبهم تهديده ولا هالهم ما توعَّدهم به من التنكيل.

وهكذا النفوس التي خالطتها بشاشة الإيمان ترى كل شيء هيّناً في سبيل التخلّص من عذاب الله وتسترخص أثمن ما تملكه وتبذل روحها عن طيب نفس منها ابتغاء دوام القرب من الله والشهود لكمال الله.

ويوضِّح لك هذه الناحية الهامة الآية الكريمة التي ذكرها الله تعالى على لسان السحرة بقوله: {قَالُوا لَن نُؤثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البيِّناتِ والذي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّما تَقْضِي هَذهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِربِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَليهِ مِنَ السِّحر وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.

وإذا أردت أن تدرك مبلغ ما وصل إليه هؤلاء السحرة من الإيمان فانظر إلى ما بيَّنته الآية الكريمة على لسانهم في قوله تعالى: {إِنَّه مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا ولاَ يَحْيَى، وَمَن يَأْتِهِ مُؤمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأوْلئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ العُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى}.

ففي برهة وجيزة وإن شئت فقل في لحظة واحدة عرفوا ربهم الذي فطرهم وشاهدوا من كماله ورأوا من الآيات البيّنات الدالة على رحمته وحنانه وحصل لهم من القُرب من جنابه ما جعلهم يرون أنَّ الحياة الدنيا رخيصة لا قيمة لها وأنَّ القرب من جنابه تعالى خير وأبقى كما شاهدوا بنوره تعالى الآخرة، وحال النَّاس فيها، فمن يأت ربه مجرماً فإنَّ له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ومن يأته مؤمناً قد عمل الصَّالحات فأولئك لهم الدرجات العُلى.

لقد عرفوا حال أهل النَّار وحال أهل الجنة، وكذلك الإيمان بالله يتبعه الإيمان باليوم الآخر والجزاء على الأعمال.

ولعلك تعجب من هذا الإيمان العالي والمعرفة السامية التي توصَّل إليها هؤلاء السحرة في لحظة واحدة، مع أنَّ أناساً يقضون العمر كله في الدرس والاستقصاء والبحث ويقومون بشتَّى الأعمال التي يتوسَّلُون بها القربى إلى الله ولا يبلغون معشار ما آتاه الله تعالى لهؤلاء السحرة!.

فأقول: لا عجب، فإنَّ الله تعالى جعل رسله لعباده سراجاً منيراً، فإذا رافقت النفس نفس رسولها وسراجها استضاءت بذلك النور الإلهي المتوارد عليها وسرعان ما ينكشف لها الحق وترى الحقائق وتشاهدها بذاتها. أمَّا مرافقة هذه الأنفس العالية فلا يكون إلاَّضمن قانون تخضع له النفس ولا تتعدَّاه وأعني بذلك استعظام الرَّسول وتقديره وتوقيره فإذا ما تحقَّقت هذه المقومات وحصل هذا التقدير والتوقير والاستعظام تحققت النتيجة وحصلت المرافقة والإرتباط وبالتالي حصلت الاستنارة بذلك السراج.

فهؤلاء السحرة لمَّا رأوا من المعجزات التي قام بها سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم بأمر ربه ما أبطل سحرهم جميعاً عرفوا أن ما جاء به أعظم من سحرهم وهنالك أكبروه وقدَّروه وأقبلت نفوسهم عليه مستعظمةً، وبإقبالها هذا عليه رأت بنوره الحق وحصلت لها التقوى وشاهدت كمال الله ورأت ما رأت من الآيات. أمَّا فرعون الذي لا خبرة له بالسحر والذي كان قلبه مشحوناً بحبِّ الدنيا، فرعون الذي رأى سيدنا موسى صغيراً ولبث عنده من العمر سنين استيقنت نفسه ما رأى من معجزات، غير أنه لم يستعظم سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم ولم يقدِّره، بل نظر إلى ماضيه لمَّا ربّاه طفلاً ولذلك لم ترَ نفسه من الحقائق شيئاً، وما كان منه إلا التهديد والوعيد.

قال تعالى مُشيراً إلى ذلك بقوله: {وَقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَومَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرضِ وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُم وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوقَهُم قَاهِرونَ، قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ استَعِينُوا باللهِ وَاصْبِرُوا إنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ والعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

وقد توالت عناية الله تعالى بفرعون وقومه إذ على الرغم من تكذيبهم وطغيانهم فقد أرسل الله تعالى لهم من الآيات وساق عليهم البلاء ما هو كفيل بردّهم إلى الحق. قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}.

ومادام التفكير سبيل الإيمان وطريقه ولذلك ففرعون وقومه الذين ما كانوا يفكِّرون في ذلك كله ما كانوا ليؤمنوا {فَإذَا جَاءَتْهُمُ الحَسَنةُ قَالُوا لَنَا هَذهِ وَإِن تُصِبهُم سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَعهُ أَلاَ إِنَّما طَائِرُهُمْ عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وقد عدّوا كل ما جاءهم به سيدنا موسى سحراً. {وَقَالُوا مَهْمَا تَأتِنَا بِهِ مِنْ آيةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحنُ لَكَ بِمؤْمِنينَ} ومن رحمة الله تعالى بهم أن زاد عليهم في التضييق فلعلَّهم يثوبون إلى رُشدهم ويرجعون عن ضلالهم. قال تعالى: {فَأرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الطُّوفَانَ والجَرَادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوماً مُجْرِمِينَ}.

وكانوا إذا اشتدَّ عليهم البلاء استجاروا بسيدنا موسى صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يكشف عنهم ما هم فيه. قال تعالى: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّك بِما عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرسِلَنَّ مَعَكَ بَني اسْرائيلَ}.

وحيث أنهم لم يفكروا ولم يتطلَّبوا أن يروا الحق لذلك كانوا إذا كشف عنهم البلاء يعودون لطغيانهم ومناجزتهم لرسول الله، قال تعالى:{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} ولذلك وحيث أنه لم يبقَ لهم بسبب إعراضهم طريق إلى الإيمان أغرقهم الله تعالى في اليمِّ وأنجى سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم ومن معه أجمعين. قال تعالى: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُم فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي اليَمِّ بِأَنَّهُم كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} .

وقد وصف تعالى مفصلاً كيفية مصرع هؤلاء بقوله الكريم: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ، فَأَرسَلَ فِرْعَونُ فِي المَدائِنِ حَاشِرِينَ، إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ، فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرثْنَاهَا بَني إسْرائيلَ، فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِين، فَلَمَّا تراءَا الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِيّ سَيَهْدِينِ، فَأَوحَينَا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِب بِعصَاكَ البَحْرَ فانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ العَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرينَ، وَأَنجَينَا مُوسَى وَمَن مَعهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيةً وَمَا كانَ أَكْثَرُهُم مُؤْمِنينَ، وَإنَّ رَبَّك لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ}.

ولما خرج سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم بقومه من البحر مرُّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، ومن العجب العجاب أن بني إسرائيل بدلاً من أن يقدّروا نعمة الله عليهم في خَلاصهم من البحر وبدلاً من أن ينكروا على هؤلاء عبادتهم طلبوا من سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم صنماً يتخذونه إلهاً كأولئك القوم الضالين. قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبني إسْرائيلَ البَحْرَ فَأَتَوا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلهاً كَمَا لَهُم آلِهةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَومٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ هَؤُلاء متبَّرٌ مَا هُم فِيهِ وبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُم إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العَالَمِينَ، وَإذْ أَنجيْنَاكُم مِنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُم وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِن ربِّكُمْ عَظِيمٌ}.

ثم إن سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم غاب عن قومه وذهب لتلقي الأوامر الإلهية من ربه واستخلف أخاه سيدنا هارون عليه السلام على قومه. قال تعالى: {وَواعَدْنَا مُوسَى ثَلاثينَ لَيْلةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسى لأَخيهِ هَارُونَ اخْلُفْني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبيلَ المُفْسِدِينَ}.

وقد انتهز غيبة سيدنا موسى عن بني إسرائيل رجلٌ منهم يُدعى السامري سوَّلت له نفسه الملك والسيطرة ودفعه حب الدنيا إلى أن يكون زعيماً في قومه فصنع صنماً ودعاهم إليه.

وقد لاقت دعوته في بني إسرائيل أرضاً خصبة قبولاً وهوىً بأنفسهم وميْلاً لتحقيق الشهوات الدنية، ومالت الأكثرية إلى عبادته وعكفت عليه، قال تعالى: {واتَّخذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُليِّهِمْ عِجلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَم يَرَواْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ولاَ يَهْدِيهِمْ سَبيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمينَ}.

وقد حذَّرهم سيدنا هارون صلى الله عليه وسلم من عبادة العجل وذكَّرهم فاستضعفوه وكادوا يقتلونه، قال تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُوني وَأطِيعُوا أَمْري، قَالُوا لَن نَبْرحَ عَلَيهِ عَاكِفِين حَتَّى يَرْجِعَ إِلينَا مُوسَى}.

ولمَّا رجع سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم ووجدهم على هذا الحال غضب وتأثّر تأثراً شديداً والتفت إلى قومه يؤنّبهم على فعلهم قائلاً:

{..يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُم وَعْداً حَسَناً أفَطَالَ عَليْكُمُ العَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِن رَبّكُمْ فأخْلَفْتُم مَوعِدِي، قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوعِدَكَ بِمَلْكِنَا ولكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزاراً مِن زينةِ القَومِ فَقَذَفْنَاهَا..}.

والمراد بكلمة {حُمِّلْنَا أَوْزاراً} أي: وقعت في نفوسنا شهوات وميل إلى الدنيا عندما رأينا القوم الذين مررنا عليهم بعد خروجنا من البحر. هنالك التفت سيدنا موسى إلى أخيه هارون قائلاً: {..يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إذْ رأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيتَ أَمْرِي}.

وأخذ بلحية أخيه ورأسه يجرّه إليه من شدّة تأثره فأجابه هارون: {قَالَ يَبْنؤُمَّ لا تأْخُذْ بِلِحيَتِي ولاَ بِرأْسِي إِنّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَني إِسرائيل وَلَمْ تَرْقُبْ قَولِي}.

وقال تعالى في سورة أخرى: {..قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَومَ استضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَني فَلا تُشْمِت بِي الأعْدَاءَ ولاَ تَجْعَلْني مَعَ القَومِ الظَّالِمينَ}.

ولمَّا وجد سيدنا موسى أخاه هارون محقّاً في عمله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأَخي وَأدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ}.

ثم التفت إلى قومه قائلاً: {إنَّ الَّذينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهمْ غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزي المُفْترِينَ، والذينَ عَمِلُوا السَّيئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّك مِن بَعْدِهَا لغَفُورٌ رَحِيمٌ}.

وسأل السامري عمَّا دعاه إلى ذلك بما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِريُّ، قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلتْ لِي نَفْسِي، قَالَ فَاذهَبْ فإنَّ لَكَ فِي الحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوعِداً لَن تُخلَفَهُ وَانْظُر إلَى إِلَهِكَ الذي ظَلْتَ عَليهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّه ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي اليَمِّ نَسْفاً}.

ثم خاطب e قومه بقوله: {إِنَّمَا إلهُكُمُ اللهُ الذي لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شيءٍ عِلْماً}.

ولعلَّك تقول: ما هو المراد من العجل الذي عبده بنوا إسرائيل في غيبة سيدنا موسى؟.

فأقول: المراد بعبادتهم العجل ماوقع في قلوبهم من حب الدنيا وزينتها العاجلة. فحبُّ الدنيا هو الذي خالط نفوس هؤلاء وأُشرب فيها، فما أن مرُّوا بعد خروجهم من البحر على أولئك القوم الذين عكفوا على أصنام لهم حتى استهوت نفوسهم تلك الأصنام لا بل تلك الزينة وذلك الذهب الذي صنع منه الصنم.

وما أن صنع لهم السامري من حليّهم صنماً حتى خارت نفوسهم له وعكفت عليه متعلِّقة به. فحبُّ المال هو مرض بني إسرائيل منذ قديم الأزمان وهو مرضهم الآن يبيعون كل غالٍ وثمين ويبذلون أعزَّ ما لديهم حتى أعراضهم في سبيل جمع المال.

وذلك أيضاً هو مرض كل معرضٍ عن الله. قال تعالى: {..وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ..} أي: بسبب إعراضهم عن الله. والواقع أن النفس لا يمكن أن تخرج محبّة الدنيا منها ولا أن تخلع حبَّ المال من قلبها إلاَّ إذا رأت ما هو أعظم منه، ذلك هو قانون من قوانين النفس؛ لا تزهد في الجميل حتى ترى الأجمل ولا تترك الثمين حتى ترى ما هو أغلى وأثمن.

على أنَّ هذه الرؤية لا تكون ولا يمكن أن تكون إلاَّ بصحبة رجل مؤمن ذي إقبال عظيم على الله من رسول أو نبي أو مرشدٍ مرتبطة نفسه برسول الله صلى الله عليه وسلم.

فبهذه الصحبة النفسية تستطيع النفس أن ترى بالنور الإلهي المتوارد على رسول الله كمال الله فتحبه وتعشقه ويحصل لها شغف به فتراه أجمل من كل شيء وأحبّ إليها من كل شيء وهنالك تزهد في الدنيا. وفي الحديث القدسي الشريف: «ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كلَّ شيء وإن فتك فاتك كلُّ شيء وأنا أحبّ إليك من كل شيء».

فرسول الله إذاً وإن شئت فقل كل مرشد مرتبطة نفسه بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، سراج منير لنفس المصاحب له المقبل بمعيَّته على الله وهذا ما يجعلنا نفهم المقصود من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهي صلة نفسك بنفس الرسول ليكون لك سراجاً منيراً ترى به كمال الله تعالى فتحبّه وتعشقه وتزهد فيما سواه، وبحبك هذا لله وإقبالك عليه تستنير بنور منه تعالى فترى الدنيا ودناءتها فتعافها وتزهد فيها. وترى الأعمال العالية التي تقربك من خالقك فتحبها وترغب بها وإن شئت فقل ترى الخير خيراً والشر شراً قال تعالى: {يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَكُم نُوراً تَمشُونَ بِهِ..}.

ونجمل القول فنقول: لا تكون رؤية الكمال الإلهي إلاَّ بصحبة السراج المنير وبما أن هذه الصحبة لا تحصل إلاَّ بعد التعظيم والتوقير لذلك كان لزاماً على طالب هذه الصحبة أن يُشعر نفسه بعظيم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيع شأنه وعندئذٍ يحصل الارتباط وتكون الصحبة.

أما إشعار النفس بعظيم مقام رسول الله e فلا بدَّ له أيضاً من أن تكون النفس متحلّية بخصلة من خصال الكمال التي تحلّت بها نفس الرسول الكريم كالرحمة أو الرأفة أو العلم أو العدل وهذا لا ينال إلاَّ من الله تعالى ذي الكمال. فبِصَلاتنا أي بصلة نفوسنا بخالقها في صلاتنا تشتق شيئاً من الكمال كالرحمة أو الرأفة أو العلم فبما اشتقته من كمال تستطيع أن تقدّر كمال رسول الله فترى أنه أسبق منها في هذا المضمار وأرفع منها في هذه الناحية بكثير فتقدّره وتوقِّره وترتبط به ويكون لها سراجاً منيراً.

والآن بعد أن رأينا قيمة الصلاة وشأنها في تحلية النفس بالكمال نقول: لا تكون الصلاة ولا يكون الإقبال فيها إلاَّ إذا كانت النفس واثقة من عملها الطيب فالعمل الصالح الطيب يقوّي معنوية النفس ويجعل لها ثقة بذاتها فتعلم أن الله راضٍ عنها وتُقبل عليه.

أما العمل الصالح فلا بدَّ أن يسبقه إيمان فكري بالله وهذا الإيمان الفكري إنَّما يكون بالتفكير بالكون. فالتفكير يصل بالنفس إلى تعظيم الخالق والتعظيم يورث الخشية والخشية تستلزم الإستقامة والطاعة لأمر الله. والإستقامة يتلوها الإقبال على الخالق والصلة الوثيقة بنور رسوله؛ به تعالى، وهنالك وفي هذه المرحلة، مرحلة الصلاة الصحيحة تشتق النفس شيئاً من كمال الله فتقدّر أهل الكمال وتصحبهم وبصحبتهم هذه تستنير بنور الله المتوارد على نفوسهم فيكونون لها سراجاً منيراً ترى به كمال الله تعالى فتحبّه وتزهد فيما سواه وتحطُّ رحالها في منازل الإقبال عليه والشهود لجماله وكماله لا تفارقه ولا ترضى عنه ببديل.

فتعظيم الرسول إذاً هو طريق شهود الكمال الإلهي والوصول إلى منازل الإيمان الحقَّة. وهذا التعظيم يكون بأحد طريقين:

1ـ طريق عامة يستطيع سلوكها كل إنسان وهي طريق الصلاة التي يشتق بها الإنسان من خالقه كمالاً يقدِّر به الرسول الذي فاقه في الكمال وذلك ما كنَّا بيَّناه آنفاً بصورة مفصَّلة.

2ـ طريق خاصة وهي أن يرى الإنسان في الرسول أوالمرشد المرتبطة نفسه بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ناحية من النواحي أو صفة من الصفات فيعجب بها كل الإعجاب كالعلم أوالشجاعة أو الحلم أوالرحمة أو غير ذلك.

وهذه الطريق الخاصة هي التي سلكها سحرة فرعون فمعرفتهم بالسحر جعلتهم لما رأوا من سيدنا موسى ما أبطل سحرهم يخرُّون لمعجزته ساجدين وارتموا بنفوسهم عليه طالبين منه المعرفة. وهنالك كان صلى الله عليه وسلم لنفوسهم سراجاً منيراً فرأوا من الحقائق ما رأوا وشاهدوا. لقد شاهدوا الكمال الإلهي فعشقوه وشاهدوا بنور إيمانهم هذا؛ النار وحال أهلها والجنة وما يلقاه المؤمنون من النعيم فيها فقالوا ما قالوا.

 أما بنوا إسرائيل فلم يشاهدوا ولم يروا من ذلك شيئاً.

نعم لم يشاهدوا ما جاء به سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم من المعجزة، كما قدَّره السحرة كما أنهم لم يصلّوا من قبل الصلاة الصحيحة التي تكتسب فيها النفس الكمال الذي يحصل به تقدير رسول الله، وكل ما في الأمر أنهم صدَّقوا سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم لما رأوه منه من المعجزات تصديقاً. والتصديق إن هو لم يقترن بالتعظيم والتوقير لا يغني عن صاحبه شيئاً ولذلك ظلّت نفوسهم ملوَّثة بحب الدنيا مستغرقةً بها فاتخذوا العجل في غيبته إلهاً فلمَّا عاد إليهم صلى الله عليه وسلم وخوَّفهم وحذَّرهم عاقبة عملهم هذا أعلنوا له توبتهم وما استطاعوا أن يخرجوا حب الدنيا من قلوبهم، ولذلك أمرهم على لسان الله تعالى أن يقتلوا أنفسهم تطهيراً لها ممّا علق بها من حبِّ العجل وإن شئت فقل من محبة الدنيا العاجلة. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ يَاقَومِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

فقد كان القريب يمسك أعزَّ قريب عليه يذبحه ذبحاً، وبذلك كان الذبيح عندما يرى السكين تكاد تجري على عنقه يزهد في الدنيا وتخرج من قلبه محبّتها وتطهر نفسه من أدرانها فيموت مؤمناً، وكذلك الذابح عندما كان يضع السكين على عنق ابنه أو قريبه يذوب قلبه حزناً وأسفاً فيحصل في نفسه ما حصل للمذبوح من خروج محبّة الدنيا من قلبه وطهارة نفسه منها.

والآن وبعد أن تكلَّمنا ما تكلَّمناه عن حال السحرة وحال بني إسرائيل في الإيمان لا بدَّ لنا من كلمة نبيِّن بها طريق شفاء النفس من شهواتها الدنيئة وأمراضها المعنوية فنقول:

إنَّ شفاء النفس من مرضها وطهارتها وخلاصها ممّا علق بها من أدران محبّة الدنيا يمكن أن يصل إليه الإنسان بأحد طريقين:

1ـ طريق يحصل على شفاء مؤقت يكون صاحبه معرضاً دوماً للنكسة وعودة المرض.

2ـ وطريق يحصل به شفاء دائمي يعقبه رقيّ في الكمال ووصول للتقوى ورؤية الحقائق.

فأما الطريق الأول فهو الذي سلكه بنوا إسرائيل الذين عبدوا العجل وأعني به طريق التصديق الاعتقادي، ذلك التصديق الذي لم يتوصل إليه صاحبه عن طريق تفكيره الشخصي بل عن طريق السماع والوراثة من غيره وشهود المعجزات. وهذا الطريق كما يبدو لنا من قصة بني إسرائيل وإن كان يزرع في قلب صاحبه الخوف من الله، لكنه لا يعرِّف الإنسان بعظمة خالقه وعالي شأنه كما لا يحلّي النفس بالكمال وجُلّ ما يقوم به صاحبه من العبادات منبعث عن الخوف من العقاب، وأعماله التي يقوم بها مجرد تقليد وكثيراً ما تتصارع الشهوة العمياء مع هذا التصديق المبني على الخوف من العقاب وحيث أن نفس هذا الشخص لم ينطبع فيها شيء من الكمال، ولم يتوصَّل إلى معرفة الحقائق ولذلك كثيراً ما تسيطر الشهوة فتعمي صاحبها وتصمُّه وتتغلَّب على خوفه من الله فيقع فيما يقع فيه من المعصية، فإذا هو وقع في الفعل، وخلت نفسه ممّا كان يشغلها عاد إليه الخوف من الله وعندئذٍ يداويه ربه بما يسوقه له من الشدائد من مرض أو خوف أو نقصٍ في الأموال والأنفس.

وبهذه الشدائد تزهد نفسه فيما علق بها من الشهوات وتطهر من أدران محبة الدنيا وجراثيم الخبث إذ لم يعد لهذه الشهوات محل ولا وجود من هذه الشدة المحيطة، لكنها طهارة آنية وشفاء مؤقّت، فإذا زالت الشدة وارتفع البلاء ولم تسلك النفس طريق التفكير الذي يحصل به الشفاء الدائمي الذي سنتعرّض للبحث عنه فسرعان ما ينبت الجرثوم من جديد وسرعان ما يعود الصراع بين تصديق هذه النفس وبين شهوتها.

ذلك كان حال أكثرية بني إسرائيل طوال صحبتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم وهذا حال فريق من الناس في هذه الأيام.. نفوسهم ملأى بالشهوات وعباداتهم مبنية على الخوف مجرّدة من كل وجهة إلى الله ومعدومة التأثير على النفس. وما ذكر الله تعالى لنا قصة بني إسرائيل إلاَّ ليعلّمنا ويحذرنا. قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَمثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ العَالِمُونَ}.

والآن وبعد أن انتهينا من ذكر الطريق الأولى التي تحصل بها الطهارة الآنية والشفاء المؤقّت ننتقل للطريق الثانية التي تحصل بها الطهارة الدائمية والشفاء التام والتي يعقبها السير في طريق الكمال فنقول:

1ـ أول ما يبدأ به الإنسان في هذه الطريق أن يفكر في آيات الكون تفكيراً عميقاً مقروناً بطلب الحقيقة.

2ـ فإذا هو فكر وواصل التفكير فلا شك أن تفكيره هذا يصل به إلى تعظيم صنعة هذه المخلوقات.

3ـ وتعظيم صنعة هذه المخلوقات ينتقل بالنفس إلى عظمة الخالق الصانع الموجد وقدرته.

4ـ وتعظيم الخالق يبعث في النفس الخشية منه تعالى.

5ـ وتلك الخشية تحمل صاحبها على الاستسلام لله تعالى والاستقامة على أمره.

6ـ وبهذه الاستقامة المقرونة بشيء من فعل الخير تتولّد في النفس الثقة برضاء الخالق عنها.

7ـ وبهذه الثقة تستطيع النفس أن تحصل لها صلة به تعالى وإن شئت فقل تستطيع أن تُصلِّي.

8ـ وبالصلاة تتحلَّى النفس من الله تعالى بحلية الكمال وتخلص من كل ما علق بها من جراثيم الخبث والشهوات الدنيئة.

تلك هي الصلاة الحقيقية وتلك هي طريقها وفوائدها وهذا هو الطريق الذي يستطيع كل إنسان أن يسلكه ليخلص ممّا به من أدران ويُشفى ممّا به من أمراض نفسية خلاصاً تاماً وشفاءً دائمياً.

قال تعالى: {..إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ..}.

وبعد أن بيَّنا طريق الصلاة الحقيقية وأثرها في شفاء النفس ننتقل بك إلى التقوى فنقول: إذا سلك الإنسان طريق الصلاة وتحلَّت نفسه بالكمال فعند ذلك وبما انطبع في نفسه من كمال يستطيع أن يقدّر أهل الكمال الذين فاقوه وسبقوه في هذا المضمار وأعني بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المرشد المرتبطة نفسه برباط المحبة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبهذا التقدير تحصل الصحبة النفسية بين هذا المؤمن وبين رسول الله أو المرشد المرتبطة نفسه برسول الله. وبهذه الصحبة النفسية لرسول الله تدخل النفس في لُجَّة من النور الإلهي المتوارد من الله تعالى على رسوله كما تدخل أيضاً النفس المصاحبة للمرشد الصادق في تلك اللّجة من النور الإلهي المتوارد عليه من الله تعالى عن طريق رسول الله، وهنالك يكون رسول الله e بذلك النور المتوارد عليه سراجاً منيراً يكشف لهذا المُصلِّي من كمال الله تعالى. وبمشاهدة الكمال الإلهي يعشقه وبهذا العشق للكمال الإلهي تكتسب نفسه نوراً من الله تعالى يرى به الخير خيراً فيحبّه ويهواه ويرى به الشرَّ شرّاً فيتباعد عنه ويتَّقيه بالله. إنَّه يرى بهذا النور الحق فيقوم لنصرته وتأييده والتوصية به كما يرى الباطل فيسعى في دحره وإطفائه والتحذير منه، قال تعالى: {يَاأَيُّها الذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُم كِفْلَينِ مِن رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَكُم نُوراً تَمْشُونَ بِهِ..}.

على أنَّ هذه التقوى وأعني بها مشاهدة الحقائق بنور الله ليست كلها بدرجة واحدة بل لكل مؤمن مشاهدته ودرجته، والمؤمن الواحد يستطيع أن يتدرَّج في منازل التقوى من درجة إلى درجة أعلى فكلَّما ازداد في العمل الصالح ازدادت نفسه ثقة من رضاء الله عنها وكلَّما ازداد على ربِّه إقبالاً كانت صلاته أحسن من سابقتها وكان بها أعظم صلة بخالقه، وكلَّما حسُنت صلاة المؤمن وتمكَّنت صلته بربِّه ازداد كمالاً، وكلَّما ازداد كمالاً ازداد لرسول الله تقديراً وحبّاً به وارتباطاً، وكلَّما ازداد برسول الله ارتباطاً كان بهذا السراج المنير أكثر مشاهدة لكمال الله، وكلَّما ازداد شهوداً للكمال الإلهي كان أكثر استنارة بنور الله وبالتالي كانت تقواه أوسع ومشاهدته للحقائق أعظم وأوضح. فهو دوماً في تنقّل من حال إلى حالٍ أرقى ومن درجة إلى درجة أعلى.

 وعلى وجه المثال نقول:

هب أن رجلاً وقف عل سفح جبل وعلى مسافة منه غوطة ذات أشجار مختلفة الأنواع، فهذا الرجل لا يستطيع من بعيد أن يميّز من الغوطة سوى أشجارها دون أن يعرف أنواع كل منها.

لكنه كلَّما كان له قرب من هذه الغوطة كان أكثر تمييزاً وإدراكاً فإذا هو دنا أكثر استطاع أن يميِّز أنواع هذه الأشجار فيعرف المشمش من التفاح والجوز من الزيتون فإذا هو دنا أكثر استطاع أن يميّز أنواع التفاح وأجناسه وهكذا زيادة القرب تساعد على زيادة الرؤية والتمييز.

ونستطيع أيضاً أن نوضِّح هذه الحقيقة بمثال آخر فنقول: لنتصور أنَّ رجلاً يحمل بين يديه كتاباً فيه أنواع متنوعة من الخطوط بين كبير وصغير وكان مقبلاً نحو مصباح منير فكلَّما دنا من هذا المصباح ظهرت له خطوط جديدة واستطاع أن يقرأ في هذا الكتاب كتابات أدقّ وأصغر من سابقتها فقراءته وفهمه يتزايد بحسب مشاهدته، ومشاهدته تزداد بحسب قربه واستنارته. تلك هي التقوى في حقيقتها وذلك هو ما توصَّل إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يستطيع أن يتوصَّل إليه كل مؤمن في كل زمان ومكان وفي أي عصر من العصور وأي جيل من الأجيال. قال تعالى: {وَالذينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنينَ}.

{وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} .

  الصفحة الرئيسية