Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

سيدنا داود عليه السلام

 الصفحة الرئيسية

     توالت الأيام على بني إسرائيل من بعد سيدنا موسى عليه السلام  فنسوا حظّاً ممَّا ذُكِّروا به وضلُّوا سواء السبيل فسلَّط الله عليهم "بختنصر"، وكان طاغية جبَّاراً فسامهم سوء العذاب وأذاقهم ألوان المذلة والهوان وكانوا آلافاً مؤلَّفة فشرَّدهم في الآفاق. قال تعالى مُشيراً إلى هذه الواقعة: {أَلَم تَرَ إِلَى الَّذينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَىالنَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}.

والذي نفهمه من كلمة {فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا} أي: أن الله تعالى أذهب شأنهم العالي وما كان لهم من عزٍّ ومكانة فلمَّا أصابهم ما أصابهم ثابوا إلى رشدهم وعادوا إلى سابق سيرتهم العالية وهنالك أحياهم الله أي أعاد لهم تعالى سالف عزّهم ومكانتهم والله تعالى لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم وهكذا فالله تعالى يسلِّط الكافر الجاحد على المؤمن العاصي تنبيهاً لهذا المؤمن وتحذيراً له من سيره المنحرف فلعلّه إذا أصابته الكروب وأحاطت به الشدائد يتوب ويؤوب، فإذا هو تاب إلى بارئه وأقلع عن ضلاله وعاد إلى طاعته لربه وعالي سيرته ساقه تعالى على ذلك الظالم وأمره بمحاربته ردّاً لهذا الظالم الكافر عمَّا هو فيه من بغي وكفر وضلال وردّاً له إلى طريق ا لهداية والإيمان فتسليطه تعالى الكافر على المؤمن العاصي فضل منه تعالى ومنَّة، وسوقه هذا المؤمن بعد توبته ورجوعه على ذلك الظالم أيضاً فضل منه تعالى ومنّة. وذَلك ما أشارت إليه الآية الكريمة التي أوردناها آنفاً في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}.

وبعد أن قدَّمنا هذه المقدمة عمَّا أصاب بني إسرائيل بعد سيدنا موسى عليه السلام  بصورة موجزة نفصِّل الكيفية التي أحيا الله تعالى بها بني إسرائيل فنقول:

لمَّا أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من التشتت في الآفاق وإخراجهم من ديارهم وأبنائهم ثابوا إلى رُشدهم ورجعوا إلى طاعة ربِّهم فجاءوا لنبيٍّ لهم وطلبوا منه أن يبعث لهم ملكاً يقاتلون معه في سبيل الله.

وذلك ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلأِ مِن بَني إسْرائِيلَ مِن بَعدِ مُوسى إِذْ قَالُوا لِنَبيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيتُم إِن كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَالَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيارِنَا وَأبْنَائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوا إِلاَّ قَليْلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَليمٌ بِالظَّالِمينَ}.

وأنت ترى من خلال هذه الآية أن بني إسرائيل لمَّا كُتب عليهم القتال تولّوا إلاَّ قليلاً منهم. فمن هم أولئك القليل الذين لم يتولّوا؟.

أقول: أولئك هم الذين آمنوا بربهم إيماناً منبعثاً عن نظر في الكون وتأمل فيه، فأوصلهم إيمانهم هذا إلى تعظيم نبيّهم والارتباط به والإقبال بمعيَّته على الله. وهنالك اشتقت نفوسهم من ربِّها نوراً رأت به أنَّ السعادة والخير كلّه في طاعة الله والاستسلام لأمره فساروا إلى القتال راضين مطمئنين.

أمَّا الذين اعتقدوا بالله اعتقاداً مبنياً على السمع ولم يؤمنوا بربهم إيماناً منبعثاً عن نظر وتأمل في الكون لمَّا كتب عليهم القتال تولّوا ولم تطمئن نفوسهم إليه.

وقد استجاب الله دعوة ذلك النبي إذ بعث لبني إسرائيل رجلاً منهم وجعله بآن واحد ملكاً يقودهم في حروبهم ليخلِّصهم من عدوِّهم ورسولاً يرشدهم إلى طريق سعادتهم ويعود بهم إلى سبيل خالقهم، وهذا الملك والرسول هو سيدنا داوود عليه السلام  قال تعالى مُشيراً إلى ذلك بقوله الكريم: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً..}.

وقد سمَّت الآية الكريمة سيدنا داوود عليه السلام  "بطالوت" بياناً لذلك الوصف الذي اتصف به سيدنا داوود من الصولة والطوْل الذي سيكون على عدوِّه. وحيث أنَّ سيدنا داوود عليه السلام لم يكن معدوداً في بني إسرائيل من ذوي المال الوفير ولا الجاه العريض وإنَّما كان رجلاً كغيره من الناس بحسب الصورة، لذلك لم تنظر إليه تلك الطائفة الأخيرة التي لم تتوصَّل إلى التقوى نظرة التعظيم والإجلال بل أجابوا نبيّهم بما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {..قَالُوا أَنَّى يَكونُ لَهُ المُلْكُ عَلَينَا وَنَحْنُ أَحقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِنَ المَالِ..} لقد نظروا لثروته القليلة فلم يقدِّروه، ولم يعظِّموه ولو أنهم فكَّروا من قبل وآمنوا بربِّهم وأقبلوا بنفوسهم على خالقهم لرأوا كمال رسولهم فقدَّروه وعظَّموه. وهكذا لا يعرف الفضل إلاَّ ذووه.. فمن استغرقت نفسه بمحبَّة الدنيا وأعرض عن خالقه تجده يجهل أهل الكمال ولا يعظّم إلاَّ أهل الدنيا ولا يفتتن إلاَّ بهم. ومن أقبل على خالقه واصطبغت نفسه بصبغة الكمال تجده لا يقدِّر إلاَّ أهل الكمال ولا يُعجب ويُفتتن إلاَّ بهم.

ثم إن نبيَّهم خاطبهم بما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {..قَالَ إنَّ اللهَ اصطفاهُ عَليكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ}.

وأنت ترى بحسب ما ورد في هذه الآية الكريمة أن العطاء الإلهي ليس مقصوراً على طبقة معيَّنة من النَّاس ولا يشترط في الوصول إليه أن يكون الإنسان غنياً أو ذا جاه وسلطان وإنَّما ينال عطاء الله تعالى كل من شاء من الخلق. فإذا أعدَّ الإنسان نفسه لهذا العطاء الإعداد الصحيح وسلك السبيل الموصلة إليه تفضَّل عليه ربُّه وأعطاه ذلك، لأن الخلق جميعاً خلْقه تعالى لا فرق ولا ميزة بين إنسان وإنسان، ولا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلاَّ بالتقوى، وعطاؤه تعالى واسع يسع الخلق جميعاً.

وهو تعالى حكيم يعطي كلاًّ بحسب ما يراه فيه من صدق وإخلاص.

ثمَّ إن سيدنا داوود عليه السلام  لمَّا سار بالجنود للقاء العدو أخبر من معه أن الله تعالى مبتليهم بِنَهَرٍ وطلب منهم أن لا يشربوا منه، أمَّا من اضطره العطش واشتد عليه فعليه ألاَّ يشرب منه إلاَّ غرفة بيده. قال تعالى مُشيراً إلى ذلك بقوله الكريم: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ..} ومن البديهي أن هذا الأمر إنما يعود عليهم بالفائدة، فإنَّ الإنسان إذا اشتد عليه الحرُّ وكان عطشاناً عطشاً شديداً وشرب كثيراً سبَّب له ذلك أذى وضرراً في جسمه، وهكذا فكل ما ينهى الله تعالى الإنسان عنه إنما هو لوقايته وحفظه من المهالك. أمّا هؤلاء فبدلاً من أن يذعنوا لوصية ربِّهم ساروا على هوى نفوسهم وانقادوا لشهواتهم وشربوا منه إلاَّ قليلاً منهم. قال تعالى مُشيراً إلى ذلك بقوله الكريم: {فَشَرِبُوا مِنهُ إِلاَّ قَليلاً مِنْهُمْ..}.

ولذلك وبهذه المخالفة التي صدرت منهم أعرضت نفوسهم عن خالقها وبعدوا عن ربهم بسبب عصيانهم، فما أن رأوا العدو كثيراً في عدده حتى هالهم مشهده ووجدوا أنهم لا يستطيعون منازلته ولا طاقة لهم به. وإلى ذلك تُشير الآية الكريمة في قوله تعالى: {..فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ..}.

أمَّا الذين أقبلت نفوسهم على ربِّها بسبب طاعتهم فإنما وجدوا أن الأمور كلها بيد الله تعالى وحده وأن النصر من عنده ولذلك لمَّا شاهدوا العدو لم يعبؤوا به وطلبوا من الله تعالى أن يؤيدهم على عدوهم. وإلى ذلك تُشير الآيات الكريمة في قوله تعالى: {قَالَ الَّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاقُوا اللهِ كَم مِن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَتْ فِئةً كَثِيرَةً بإذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرينَ، فَهَزَمُوهُم بِإذنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوودُ جَالُوتَ وَآتاهُ اللهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَولاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ}.

وأنت ترى من خلال هذه الآيات أن الأمور بيد الله تعالى وحده وأنه لا مسيّر ولا إله إلاَّ الله. فإذا رجع المؤمن إلى ربه بالطاعة والانقياد وطلب من الله تعالى النصر والتأييد نصره الله وأعانه.

كما ترى أنه تعالى ذو فضل على العالمين يسوق الكافر على المؤمن العاصي ليتوب ويرجع إلى الحق فإن هو تاب ورجع، ساقه على الكافر وأيّده عليه ونصره وجعل الكافر تحت رعاية المؤمن ليهديه ويدلّه. فهو تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض رحمةً بهم وحفظاً لهذا الكون من الفساد وهو يُحمد على كل ما يسوقه لعباده وهو تعالى ذو فضلٍ على العالمين.

وقد استتبَّ الأمر لبني إسرائيل وتسنَّم سيدُنا داوود عليه السلام  منصب الملك وخضع له بنوا إسرائيل جميعاً كبيرهم وصغيرهم. وكيف لا يخضعون له وقد خلَّصهم من عدوِّهم وأعاد لهم سابق عزّهم وسالف مجدهم ورأوا من تأييد الله له ما رأوا حين انقضَّ عليه السلام  بذاته يشقُّ صفوف العدو بسيفه والرعب من هيبته تمزق جمعهم كل ممزق، حتى دنا من مَلِكِ الجيوش العدوّة فتفرَّق شمْل من يحمونه من مرافقيه مولِّين الدبر، ثم ضرب ملكهم الجبَّار فقصمه وقضى عليه وأراح الناس من عظيم بلائه وبغيه وشروره، وسمعوا منه من البيان والحكمة بالزبور ما سمعوا. قال تعالى مُشيراً إلى ذلك بقوله الكريم: {وَلَقَد آتَينَا داوُودَ مِنّا فَضْلاً يَاجِبَالُ أَوِّبي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لهُ الحَدِيدَ}.

وقال تعالى: {اصْبِر عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُود ذَا الأَيْدِ إِنَّه أَوَّابٌ، إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ بِالعَشِيّ والإشْرَاقِ، والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ، وشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطَابِ}. والمراد بكلمة (الجِبَالَ): كبار القوم ورؤساؤهم فإنَّ الجبل من كل شيء ما عَظُم منه قال تعالى: {..وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ..} أي: من سحب عظيمة ويُقال فلان جبل علم أو ذو علم عظيم، وأمَّا الطير فإنما المراد به صغار النَّاس وعامّتهم وهكذا فقد خضع لسيدنا داوود عليه السلام جميع بني إسرائيل وانقادوا له.

ثم إن الله تعالى أراد أن يعرِّفنا في قصة هذا الرسول الكريم بأنَّ النفس البشرية إذا شاهدت الكمال الإلهي أحبَّته وعشقته وأضحت هذه المشاهدة أحبّ إليها من كل شيء.

غير أنَّ الإنتقال في هذه الوجهة من حال إلى حالٍ أعلى وأرفع والارتقاء في تلك المشاهدة إنما يكون بحسب ما يقدمه الإنسان من الأعمال التي يبذلها في خدمة الخلق، وإنه لا بدَّ من الجمع بين خدمة الخلق والإقبال على الله تعالى بصورة لا يختل معها توازن هاتين الكفّتين، فلا تتغلَّب خدمة الخلق على دوام الوجهة إلى الله كما لا تحول الوجهة إلى الله بين الإنسان وبين القيام بمصالح الخلق. وحيث أن سيدنا داوود عليه السلام غلب عليه العشق لربه وجلس مع نفسه يعتكف في المحراب منصرفاً إلى شهود ذلك الكمال الإلهي، أراد تعالى أن يردّ هذا الرسول إلى كمال الكمال فساق له ملكين على صورة رجلين، احتكما لديه في قضية. وقد أشارت الآية الكريمة إلى ذلك في قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبؤُا الخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا المِحرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنهُم قَالُوا لاَتَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَينَنَا بِالحقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلى سَوَاءِ الصِّرَاطِ}. والمراد بكلمة {تَسَوَّرُوا} أي: دخلوا عليه من فوق الجدار، والمحراب هو المكان الذي جلس فيه سيدنا داوود عليه السلام  مع نفسه متجهاً إلى ربه ليستطيع بما يكتسبه من المعرفة بإقباله على ربه أن يحارب الشيطان فيرد وساوسه التي يلقيها في صدور الناس.

ثم إن أحد الخصمين شرح القضية بين يدي سيدنا داوود فذكر له أنَّ أخاه يملك تسعاً وتسعين نعجة أي غنمة، أمَّا هو فلا يملك سوى نعجة واحدة، وقد طلب منه أخوه أن يسمح له بضم هذه النعجة إلى قطيعه وأن يجعلها في كفالته، فلمَّا امتنع ولم يوافق أخاه على رأيه شدّد عليه أخوه في القول ووجَّه إليه اللوم على هذا الامتناع. وقال تعالى مُشيراً إلى ذلك بقوله الكريم: {إِنَّ هَذَا أَخي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّني فِي الخِطَابِ}.

ونظراً لبداهة القضية لدى سيدنا داوود عليه السلام  وحبّاً في العودة إلى الوجهة إلى الله والتمتُّع بذلك الشهود للكمال الإلهي الذي أخذ بمجامع قلبه وأصبح هوىً ملازماً لنفسه فقد تسرَّع في الحكم قبل أن يسمع من الخصم الآخر وقال للمدَّعي صاحب النعجة ما أشارت إليه الآية الكريمة بقوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِه وإِنَّ كَثيراً مِن الخُلَطَاءِ ليَبغي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَليلٌ مَاهُم..}: قال له ذلك القول والتفت يريد العودة إلى الوجهة إلى المحبوب الأعظم مبدع كلِّ جمال وفضل وجلال، وهنالك تكلَّم صاحب التسع والتسعين نعجة وبيَّن لسيدنا داوود أنه لا يريد أن يشارك أخاه في نعجته، إنَّما يريد أن يجعلها تحت كفالته ويرعاها له مع قطيعه وبذلك يكون قد خدمه ووفَّر عليه كثيراً من الجهد والوقت في سبيل نعجة واحدة.

ولمَّا سمع سيدنا داوود e مقالة الخصم الثاني ووجده محقّاً في طلبه أدرك أنه تسرَّع في حكمه الذي أدلى به للخصم الأول.

ثمَّ إنه لمَّا عرف أن القضية ليست قضية نعجات وخصوم وأن الخصمين ملكان جاءا إليه بهذه القضية مرسلين من قبل الله تعالى ليعرِّفاه بأن مقام الخلافة إنما يقتضي الجمع بين خدمة الخلق والقيام بمصالحهم، والإقبال على الله والوجهة إليه في آنٍ واحد، لا أن ينصرف العبد إلى الوجهة إلى الله ويترك مصالح الخلق. هنالك لمَّا ظهرت لهذا الرسول هذه الحقيقة ظنَّ أن الله تعالى إنما أراد بهذه الواقعة أن يبيّن له عدم صلاحه لمقام الخلافة لتقصيره في تأدية مصالح الخلق تمام التأدية وذلك ما نفهمه من الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّما فَتَنَّاهُ} وفتناه أي أظهرنا له عدم صلاحه لهذا المقام، إذ أن الفتنة إنما هي إظهار الطوية ولذلك: {فاسْتَغفَرَ رَبَّهُ} أي: طلب منه الشفاء من هذه السهوة. {وَخرَّ رَاكِعاً} أي: خاضعاً بنفسه لأمر ربه. {وَأَنَابَ} أي: رجع إلى الطريق التي يقتضيها مقام الخلافة فجلس في قضاء المصالح لا تصرفه وجهته عن خدمة الخلق "ولا خدمة الخلق" عن الوجهة إلى الحق. قال تعالى مُشيراً إلى ذلك بقوله الكريم: {فاسْتَغْفَرَ رَبَّه وَخرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْن مَآبٍ}.

ثم إن الله تعالى خاطبه بقوله الكريم: {يَا داوُود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالحقِّ ولاَ تَتَّبعِ الهَوَى فَيُضلَّكَ عَن سَبيلِ اللهِ} أي: لا يكوننَّ هواك في دوام مشاهدتي مانعاً لك من قضاء مصالح خلقي فإن في ذلك حرماناً لهم من حقوقهم وحرماناً لك من الخير، لأنك إذا وجدت نفسك مقصِّراً في واجبك انقبضت نفسك عني حياءً من تقصيرها وتحوَّلت عن الوجهة إليَّ خجلاً من عدم قيامها بواجبها.

ثم إن الله تعالى تمَّم نصيحته لسيدنا داوود عليه السلام بقوله الكريم: {إِنَّ الذينَ يَضِلُّونَ عَن سَبيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَديدٌ بِما نَسُوا يَومَ الحِسَابِ} أي: وهذا التحوُّل عن الوجهة إلى الله وهذا الخجل من التقصير يجرُّ الإنسان إلى نسيان اليوم الآخر ويوقعه في الأعمال المنحطة وبذلك يصيبه ما يصيبه من العذاب.

ذلك درس ألقاه الله تعالى علينا في قصة سيدنا داوود عليه السلام  ليرينا تلك المنزلة العالية التي ارتقى إليها ذلك الرسول الكريم وليعرِّفنا أن الكمال الإنساني إنما يكون في الجمع بين خدمة الخلق والإقبال على الحق لتصبوا نفوسنا نحو ذلك المقام العالي وتنزع إليه.

 الصفحة الرئيسية